U3F1ZWV6ZTI0NjIzNDY2NzAzMjMyX0ZyZWUxNTUzNDYxMjAwODY3OA==

المقاربة بالكفايات: المفهوم، الأهداف، المبادئ الأساسية، والتحديات



المقاربة بالكفايات 

المقدمة

تُعد المقاربة بالكفايات من أبرز المقاربات التربوية الحديثة التي برزت في الفكر التربوي المعاصر، نتيجة التحولات العميقة التي شهدها التعليم في بداية القرن الحادي والعشرين، سواء على المستوى الفلسفي أو البيداغوجي أو الاجتماعي. فقد تم الانتقال من منطق التعليم القائم على تلقين المعارف إلى منطق التعلم الذي يتمحور حول المتعلم باعتباره فاعلاً في بناء معارفه ومهاراته. وتأتي المقاربة بالكفايات في هذا السياق كاستجابة لحاجة الأنظمة التربوية إلى تجديد طرق التدريس وجعلها أكثر ارتباطاً بالواقع ومواكبة لمتطلبات الحياة وسوق العمل. إنها مقاربة تجعل من المتعلم محور العملية التعليمية وتعتبره عنصراً نشطاً يشارك في بناء التعلم، لا مجرد متلقٍ سلبي للمعلومات.

لقد أدرك المربون والمفكرون التربويون أن التعليم القائم على التلقين والحفظ الآلي فقط لم يعد قادراً على إعداد المتعلمين لمواجهة تحديات القرن الحادي والعشرين، حيث باتت المجتمعات الحديثة في حاجة إلى أفراد يمتلكون كفايات متعددة تمكّنهم من حل المشكلات المعقدة والتكيف مع المتغيرات المتسارعة. ومن هنا برزت المقاربة بالكفايات كبديل بيداغوجي يسعى إلى تحقيق التعلم ذي المعنى، الذي يوظف المعارف والمهارات والقيم في وضعيات حياتية حقيقية. فهي مقاربة تركز على تحويل المعرفة النظرية إلى معرفة عملية قابلة للتطبيق، وتعمل على تحقيق الاندماج بين التعلم المدرسي والواقع الاجتماعي والاقتصادي.

وقد تم تبني هذه المقاربة في العديد من الأنظمة التعليمية حول العالم، سواء في أوروبا أو كندا أو دول المغرب العربي، نظراً لما أثبتته من فعالية في تجديد الممارسات التعليمية وتحسين جودة التعلمات. فهي لا تقتصر على اكتساب المعارف، بل تمتد إلى بناء قدرات المتعلمين على التفكير النقدي، والتحليل، وحل المشكلات، واتخاذ القرار، والتواصل الفعال، وهي كلها كفايات أساسية في مجتمع المعرفة. وبذلك، فإن المقاربة بالكفايات تمثل تحولا نوعياً من التركيز على المعلومة إلى التركيز على الأداء والقدرة على التوظيف، ومن الاهتمام بالمحتوى إلى الاهتمام بالنتائج والمخرجات التعليمية.

إن جوهر المقاربة بالكفايات يتمثل في إحداث توازن بين ما يتعلمه الفرد في المدرسة وما يحتاج إليه في حياته اليومية والمهنية والاجتماعية. فهي تدمج بين الجانب المعرفي والجانب العملي والوجداني في تكوين المتعلم، وتعتبر الكفاية نتاجاً لتفاعل هذه الجوانب في وضعيات معقدة تتطلب من المتعلم تعبئة موارده المختلفة. ومن هنا، فالمتعلم في ظل هذه المقاربة لا يُقاس نجاحه بقدر ما يحفظ من معلومات، بل بقدر ما يستطيع أن يوظف مكتسباته لحل المشكلات والتكيف مع المواقف الجديدة. ولهذا فإن التقويم في المقاربة بالكفايات يأخذ بعداً جديداً، إذ لا يقتصر على اختبار المعارف، بل يركز على الأداء العملي ومدى تحقق الكفايات.

وتسعى هذه الدراسة إلى تحليل المقاربة بالكفايات تحليلاً علمياً دقيقاً، من خلال الوقوف على مفهومها وأسسها النظرية، وتوضيح أهدافها البيداغوجية، وبيان المبادئ الأساسية التي تقوم عليها، والتحديات التي تواجهها، مع إبراز أهميتها في تطوير العملية التعليمية وتحقيق الجودة المنشودة في التعلم. كما تحاول هذه الدراسة تقديم تصور شامل يساعد المدرسين والباحثين التربويين على فهم فلسفة هذه المقاربة، وتطبيقها بفعالية داخل الفصول الدراسية، بما يضمن تكوين متعلمين قادرين على الإبداع والابتكار والمشاركة الفاعلة في التنمية المجتمعية.

وسيتضمن هذا المقال فصولاً متسلسلة تبدأ بتحديد مفهوم المقاربة بالكفايات وأصولها النظرية، ثم تنتقل إلى عرض أهدافها العامة والخاصة، قبل أن تتناول المبادئ الأساسية التي توجهها في الممارسة التربوية، وصولاً إلى خاتمة تلخص أهم النتائج والدلالات المستخلصة. 

الفصل الأول: مفهوم المقاربة بالكفايات

يُعد مفهوم المقاربة بالكفايات من المفاهيم التربوية التي شغلت حيزاً واسعاً في الفكر البيداغوجي الحديث، نظراً لما تحمله من أبعاد فلسفية وتطبيقية تمس جوهر العملية التعليمية. إن المقاربة بالكفايات لا تمثل مجرد تقنية جديدة في التدريس، بل هي رؤية متكاملة للتعلم تقوم على مبدأ أن التعليم الفعّال لا يتحقق بمجرد نقل المعرفة إلى المتعلم، وإنما بتمكينه من توظيفها في مواقف واقعية. فهي تستند إلى فكرة مركزية مفادها أن الهدف الأساسي من التعلم هو اكتساب القدرة على الفعل في سياق معين، وليس مجرد امتلاك المعلومات النظرية.

لقد نشأ هذا التوجه في أوروبا، وتحديداً في فرنسا وبلجيكا خلال سبعينيات القرن الماضي، ثم تطور بشكل ملحوظ في كندا، خاصة في مقاطعة كيبيك، حيث تم اعتماده كإطار بيداغوجي رسمي لتنظيم المناهج الدراسية وتوجيه الممارسات الصفية. ومن هناك انتقل إلى العديد من الدول العربية، ومن بينها المغرب وتونس والجزائر، التي رأت فيه بديلاً ملائماً لتجديد المنظومة التربوية وجعلها أكثر ملاءمة للتحولات الاجتماعية والاقتصادية. ويعزى انتشار هذه المقاربة إلى كونها تنسجم مع فلسفة التربية الحديثة القائمة على التعلم الذاتي، والمشاركة الفعالة، والتفكير النقدي، وحل المشكلات.

1. تعريف المقاربة بالكفايات

تُعرف المقاربة بالكفايات بأنها منهج تربوي يهدف إلى تنمية قدرات المتعلم الشمولية من خلال تمكينه من تعبئة مجموعة من الموارد المعرفية والمهارية والقيمية لمواجهة وضعيات مركبة في سياقات متنوعة. وتُعد الكفاية في هذا الإطار قدرة مكتسبة تسمح للفرد بتوظيف معارفه ومهاراته ومواقفه لحل مشكلات واقعية، مما يجعلها نتاجاً لعملية تعلم عميقة تتجاوز الحفظ والاستظهار إلى الفهم والتطبيق والإبداع. فالمتعلم في ظل هذه المقاربة لا يُنظر إليه كوعاء يستقبل المعلومات، بل كفاعل يبني المعرفة بنفسه عبر التفاعل مع محيطه.

وقد تنوعت التعريفات التي قدمها الباحثون للكفاية باختلاف المدارس التربوية التي تناولت المفهوم. فبعضهم يراها قدرة على أداء مهمة معينة بكفاءة في سياق محدد، بينما يعتبرها آخرون نتاجاً لتكامل الموارد الداخلية للفرد (المعارف، المهارات، الاتجاهات) مع الموارد الخارجية المتاحة في البيئة. وفي جميع الأحوال، تظل الكفاية مفهوماً مركباً يجمع بين المعرفة والفعل والقيمة، أي بين ما يعرفه المتعلم وما يستطيع القيام به وما يتبناه من مواقف وسلوكيات في مواقف واقعية.

2. الفرق بين الكفاية والمعرفة

من أهم المفاتيح لفهم المقاربة بالكفايات التمييز بين مفهوم الكفاية ومفهوم المعرفة. فالمعرفة تمثل الجانب النظري من التعلم، أي ما يمتلكه الفرد من معلومات ومفاهيم وقواعد. أما الكفاية، فهي تتجاوز المعرفة إلى القدرة على توظيفها في الواقع. وبعبارة أخرى، المعرفة هي ما يُعرف، أما الكفاية فهي ما يُفعل به ما يُعرف. فالمتعلم قد يحفظ قواعد اللغة العربية عن ظهر قلب، لكن كفايته تتجلى حين يتمكن من تطبيق هذه القواعد في كتابة نص سليم خالٍ من الأخطاء. وهذا الانتقال من المعرفة إلى الكفاية يشكل جوهر التحول الذي جاءت به هذه المقاربة.

ويُعد هذا التمييز بين المعرفة والكفاية تحولا جذرياً في الفلسفة التعليمية، إذ لم يعد الهدف من التعليم هو تراكم المعلومات، بل هو بناء قدرات ذهنية وسلوكية تمكّن المتعلم من حل المشكلات والتكيف مع الوضعيات الجديدة. فالمتعلم في هذا الإطار لا يُختبر في مدى حفظه للدروس، وإنما في قدرته على تعبئة مكتسباته للتعامل مع مواقف معقدة، كتحليل نص أدبي جديد، أو معالجة وضعية رياضية، أو اتخاذ قرار مسؤول في موقف اجتماعي. ومن هنا يتضح أن الكفاية تعني "القدرة على الفعل"، أي تحويل المعرفة إلى سلوك منتج وفعّال.

3. أنواع الكفايات

تتعدد تصنيفات الكفايات بحسب طبيعتها ووظيفتها. فقد ميّز الباحثون بين الكفايات الأساسية، والكفايات العرضانية، والكفايات الخاصة. فالكفايات الأساسية هي تلك القدرات الجوهرية التي يحتاجها كل متعلم في حياته اليومية، مثل القراءة والكتابة والتواصل وحل المشكلات. أما الكفايات العرضانية فهي التي تتجاوز مادة دراسية واحدة، ويمكن توظيفها في سياقات متعددة، كالتفكير النقدي، والعمل الجماعي، والبحث الذاتي. في حين ترتبط الكفايات الخاصة بمجال معرفي معين أو مادة دراسية محددة، مثل الكفايات اللغوية أو العلمية أو التكنولوجية.

وتعمل المناهج الدراسية الحديثة على بناء هذه الكفايات بشكل تدريجي ومتكامل، بحيث يتم الانتقال من الكفايات الجزئية إلى الكفايات المركبة، ومن الكفايات الخاصة إلى الكفايات الشمولية التي تمكّن المتعلم من مواجهة وضعيات معقدة في الحياة الواقعية. وهذا التنظيم يُبرز الطبيعة التراكمية للكفايات، إذ لا تُكتسب دفعة واحدة، بل تتطور عبر مسار تعليمي طويل يُسهم فيه كل مكون من مكونات المنهاج.

4. الوضعية المشكلة كأساس لبناء الكفاية

تُعد الوضعية المشكلة من الركائز الأساسية في المقاربة بالكفايات، فهي تمثل الأداة البيداغوجية التي تتيح للمتعلم تعبئة مكتسباته لمواجهة تحدٍّ واقعي. والوضعية المشكلة ليست مجرد تمرين أو نشاط تقويمي، بل هي موقف معقد يتطلب من المتعلم التفكير والتحليل واتخاذ القرار. فعندما يُوضع المتعلم أمام وضعية تحاكي الواقع، فإنه يضطر إلى استدعاء معارفه السابقة وتوظيفها بطريقة إبداعية لحل المشكلة. وبهذا الشكل تتحول المعرفة النظرية إلى أداة للفعل، ويتحقق التعلم ذي المعنى.

إن بناء الكفاية يتطلب المرور المتكرر عبر وضعيات تعليمية متنوعة، تُحفّز التفكير النقدي وتدعم استقلالية المتعلم. فكل وضعية جديدة تشكل فرصة لإعادة تنظيم الموارد المكتسبة وتطويرها، مما يجعل التعلم عملية تراكمية بنائية. ولهذا السبب، يُعتبر المدرس في المقاربة بالكفايات مصمماً للوضعيات التعليمية أكثر من كونه ناقلاً للمعلومة، إذ يسهر على خلق بيئة تعلمية غنية بالتحديات والمشكلات التي تدفع المتعلمين إلى البحث والاكتشاف.

5. الأسس النظرية للمقاربة بالكفايات

تستند المقاربة بالكفايات إلى مجموعة من النظريات التربوية الحديثة، أبرزها النظرية البنائية التي ترى أن التعلم عملية نشطة يقوم فيها المتعلم ببناء معارفه من خلال التفاعل مع محيطه. كما تستند إلى النظرية السوسيو-بنائية التي تؤكد على أهمية التفاعل الاجتماعي والتعاون في بناء الكفايات، إذ يتعلم الفرد بشكل أفضل من خلال النقاش والمشاركة في حل المشكلات مع الآخرين. ومن الأسس النظرية أيضاً نظرية التعلم بالمشروع، ونظرية الذكاءات المتعددة التي تعترف بتنوع القدرات الإنسانية وتدعو إلى مراعاة الفروق الفردية بين المتعلمين.

إن فهم هذه الأسس النظرية ضروري لتطبيق المقاربة بالكفايات بنجاح، لأنها توضح الخلفية الفكرية التي تنبني عليها. فالكفاية لا تُختزل في القدرة التقنية على إنجاز مهمة، بل تشمل البعد الوجداني والقيمي والاجتماعي، مما يجعلها مفهوماً إنسانياً شاملاً. وبهذا المعنى، فإن المقاربة بالكفايات ليست مجرد طريقة في التدريس، بل هي رؤية فلسفية للتربية تسعى إلى تكوين إنسان قادر على التعلم مدى الحياة، والمشاركة الفاعلة في تطوير المجتمع.

الفصل الثاني: الأهداف العامة للمقاربة بالكفايات

تسعى المقاربة بالكفايات إلى تحقيق جملة من الأهداف التربوية والبيداغوجية التي تعكس التحول الجوهري في فلسفة التعليم الحديث، حيث لم يعد الهدف من العملية التعليمية هو مجرد نقل المعارف أو تلقين المعلومات، بل أصبح يتمثل في بناء شخصية متكاملة قادرة على التعلم مدى الحياة، والتكيف مع التحولات المعاصرة. إن الأهداف التي تقوم عليها هذه المقاربة لا تقتصر على البعد المعرفي، بل تمتد إلى الأبعاد الوجدانية والاجتماعية والقيمية، مما يجعلها أكثر شمولية وواقعية في إعداد المتعلم ليصبح فاعلاً ومسؤولاً داخل المجتمع. وتأتي هذه الأهداف في انسجام تام مع مبادئ التربية الحديثة التي تضع المتعلم في قلب العملية التعليمية، وتعتبره محور الفعل التربوي ومصدر المبادرة والإبداع.

1. تنمية شخصية المتعلم بشكل شامل

أول هدف تسعى إليه المقاربة بالكفايات هو بناء شخصية المتعلم في أبعادها المتعددة: المعرفية، والمهارية، والوجدانية. فهي تهدف إلى تكوين فرد يمتلك معرفة راسخة وقدرة على التفكير النقدي، ومهارات تمكنه من حل المشكلات، ومواقف إيجابية تعزز احترام الذات والآخرين. إن المتعلم في ظل هذه المقاربة لا يُنظر إليه على أنه مستقبل سلبي للمعلومات، بل هو فاعل يشارك في بناء تعلمه. ومن هنا، فإن الهدف التربوي لم يعد محصوراً في إتقان المعارف الأكاديمية، بل أصبح يشمل تكوين الإنسان القادر على توظيف معارفه ومهاراته وقيمه في مواقف حياتية واقعية. وهذه النظرة الشمولية تجعل المقاربة بالكفايات أداة أساسية لإعداد جيل من المتعلمين القادرين على الإبداع والمبادرة وتحمل المسؤولية في المجتمع.

2. تحقيق التعلم الذاتي والاستقلالية الفكرية

يُعتبر التعلم الذاتي أحد الركائز الأساسية التي تقوم عليها المقاربة بالكفايات. فهي تسعى إلى جعل المتعلم مسؤولاً عن بناء معارفه بنفسه من خلال البحث، والاستكشاف، والملاحظة، والتجريب. وهذا التوجه يهدف إلى تنمية استقلالية المتعلم الفكرية وجعله قادراً على اتخاذ القرار والتعلم مدى الحياة دون الاعتماد المطلق على المدرس أو الكتاب المدرسي. فالمتعلم هنا يتعلم كيف يتعلم، ويكتسب استراتيجيات التفكير والتحليل التي تمكّنه من مواجهة المشكلات الجديدة بمرونة وفعالية. كما أن هذا النوع من التعلم يعزز الثقة بالنفس ويشجع على المبادرة، لأن المتعلم يشعر أنه يمتلك القدرة على التحكم في مسار تعلمه واختيار أنسب السبل لاكتساب المعرفة.

3. ربط المدرسة بالحياة الواقعية

من الأهداف الجوهرية للمقاربة بالكفايات ربط المدرسة بالحياة الاجتماعية والمهنية. فقد كانت النماذج التقليدية للتعليم تركز على المعرفة النظرية المعزولة عن الواقع، مما أدى إلى فجوة كبيرة بين ما يتعلمه التلميذ داخل القسم وما يعيشه خارجه. وجاءت المقاربة بالكفايات لتسد هذه الفجوة من خلال التركيز على الوضعيات التعليمية التي تحاكي الحياة اليومية، وتجعل المتعلم قادراً على تطبيق مكتسباته في مواقف حقيقية. وهكذا يصبح التعلم ذا معنى، لأن المتعلم يدرك فائدته العملية في حياته. فعندما يُطلب منه مثلاً تحليل مشكلة بيئية أو اقتراح حلول لتحدٍّ اجتماعي، فإنه يوظف معارفه ومهاراته وقيمه بطريقة متكاملة، ما يرسخ لديه الإحساس بأهمية التعلم في خدمة المجتمع.

4. تطوير التفكير النقدي وحل المشكلات

تهدف المقاربة بالكفايات إلى تنمية شخصية متعلم مفكر يمتلك مهارات التحليل المنطقي والتفكير النقدي، بحيث لا يكتفي بتلقي المعارف كما هي، بل يسعى إلى مناقشتها وفهمها بعمق، وتوظيفها بشكل فعال في واقعه. فالمتعلم هنا ليس متلقياً سلبياً، بل باحثاً نشطا يسعى إلى فهم الظواهر وتحليلها بعمق. كما تركز هذه المقاربة على مهارة حل المشكلات، التي تُعد من أهم الكفايات الحياتية في العصر الحديث، إذ يتعلم المتعلم كيف يواجه المواقف المعقدة ويبحث عن حلول مبتكرة. إن هذا النوع من التفكير يسهم في تنمية الإبداع، ويُعد من الركائز الأساسية لبناء مجتمع المعرفة القادر على التجديد والتطوير المستمر. كما أنه يعزز روح البحث العلمي، ويجعل المتعلم أكثر استعداداً للتعامل مع التغيرات التكنولوجية والاقتصادية والاجتماعية المتسارعة.

5. بناء التعلم المستمر مدى الحياة

من الأهداف الأساسية للمقاربة بالكفايات جعل التعلم عملية مستمرة لا تتوقف عند حدود المدرسة. فالمتعلم في هذا الإطار يكتسب مهارات التعلم الذاتي التي تمكنه من تطوير معارفه وكفاياته طوال حياته. ومع التحولات السريعة في سوق العمل وفي التقنيات الحديثة، أصبح التعلم مدى الحياة ضرورة ملحة، لأن ما يتعلمه الفرد في المدرسة قد لا يكفيه لمواجهة تحديات المستقبل. ومن هنا، تسعى المقاربة بالكفايات إلى غرس ثقافة التعلم الدائم، بحيث يصبح المتعلم قادراً على تحديث معارفه باستمرار، والتكيف مع المستجدات، والانخراط الإيجابي في التنمية المستدامة. وهذا الهدف ينسجم مع رؤية التربية الحديثة التي تعتبر التعليم استثماراً مستمراً في الإنسان وليس مرحلة مؤقتة.

6. تحقيق جودة التعليم وتحسين المخرجات التربوية

تُسهم المقاربة بالكفايات في الارتقاء بجودة التعليم من خلال التركيز على النتائج والمخرجات، لا على المدخلات فقط. فهي تهتم بما يستطيع المتعلم إنجازه فعلاً بعد عملية التعلم، وليس بما تمت تلقينه من معلومات. ومن خلال هذا المنظور، تصبح الجودة التعليمية مرتبطة بمدى قدرة المتعلمين على توظيف مكتسباتهم في مواقف واقعية، مما يجعل عملية التقويم أكثر موضوعية وفاعلية. كما أن هذه المقاربة تعزز مبدأ التعليم من أجل الإتقان وليس من أجل النجاح الشكلي، إذ يتم التركيز على بناء الكفايات الأساسية التي تضمن انتقالاً سلساً بين المراحل الدراسية المختلفة. وبذلك تساهم في تقليص الهدر المدرسي، وتحسين التحصيل، ورفع مستوى الأداء العام للمتعلمين.

7. إعداد المتعلم للاندماج في الحياة المهنية والاجتماعية

من بين الأهداف الاستراتيجية للمقاربة بالكفايات إعداد المتعلم للاندماج الفاعل في الحياة المهنية والاجتماعية. فهي لا تقتصر على إعداد الفرد للامتحانات، بل تهدف إلى تكوين مواطن قادر على التفاعل مع محيطه والمساهمة في تنمية مجتمعه. فالمتعلم يكتسب مهارات التواصل، والعمل الجماعي، والتفكير المنطقي، واتخاذ القرار، وهي كلها كفايات ضرورية في سوق العمل المعاصر الذي يتطلب أفراداً يمتلكون الكفاءة والمرونة. كما أن هذه المقاربة تركز على القيم الاجتماعية والأخلاقية مثل المسؤولية، والاحترام، والتعاون، مما يجعل المدرسة فضاءً لتعزيز الانضباط الاجتماعي والسلوك الإيجابي بين المتعلمين. وبذلك تحقق المقاربة بالكفايات التكامل بين التكوين الأكاديمي والتأهيل الاجتماعي والمهني.

8. مراعاة الفروق الفردية وتنمية الذكاءات المتعددة

تسعى المقاربة بالكفايات إلى مراعاة الفروق الفردية بين المتعلمين، انطلاقاً من إيمانها بأن كل متعلم يمتلك قدرات وميولات مختلفة. وهي تستند في ذلك إلى نظرية الذكاءات المتعددة التي تؤكد أن الذكاء ليس واحداً، بل يتنوع بين لغوي، ومنطقي، واجتماعي، وحركي وغيرها. لذلك تتيح هذه المقاربة تنوعاً في الوضعيات التعليمية والأنشطة التعلمية التي تسمح لكل متعلم بالتعبير عن قدراته الخاصة. كما تشجع على التعليم التفريدي الذي يأخذ بعين الاعتبار إيقاع التعلم ومستوى كل متعلم، مما يساهم في الحد من الإقصاء التعليمي ويعزز مبدأ تكافؤ الفرص داخل الفصل الدراسي.

9. ترسيخ القيم الإنسانية والتربوية

تولي المقاربة بالكفايات أهمية كبيرة للبعد القيمي في التعليم، فهي تعتبر الكفاية لا تكتمل إلا بوجود سلوك قيمي مصاحب للمعرفة والمهارة. ومن ثم فإنها تهدف إلى غرس قيم المسؤولية، والتسامح، والعمل الجماعي، والاحترام. فالتربية في هذا السياق لا تقتصر على بناء العقول، بل تشمل كذلك بناء الضمائر. وبذلك تسهم المقاربة بالكفايات في تكوين جيل من المتعلمين المتشبعين بالقيم الإنسانية النبيلة القادرين على المساهمة في بناء مجتمع متوازن ومتماسك.

من خلال هذه الأهداف المتكاملة، يتضح أن المقاربة بالكفايات لا تركز فقط على الجانب الأكاديمي للتعليم، بل تتجاوز ذلك إلى بناء الإنسان في شموليته، مما يجعلها من أنجع المقاربات التربوية الحديثة التي يمكن أن تسهم في تحقيق التنمية المستدامة وجودة التعليم في العالم المعاصر.

الفصل الثالث: المبادئ الأساسية للمقاربة بالكفايات

تقوم المقاربة بالكفايات على مجموعة من المبادئ البيداغوجية الأساسية التي تشكل الإطار التوجيهي لتطبيقها داخل الأقسام الدراسية والمناهج التعليمية. إن هذه المبادئ ليست مجرد قواعد نظرية، بل هي أدوات عملية تساعد المدرسين على تنظيم التعلم بطريقة تراعي المتعلم، وتضمن تكامل المعارف والمهارات والقيم. كما أنها تمكّن من تحقيق الأهداف التربوية المنشودة، بما في ذلك تطوير التفكير النقدي، وتحفيز التعلم الذاتي، وربط المدرسة بالواقع الاجتماعي والاقتصادي. وتُعتبر هذه المبادئ أساساً لضمان فعالية المقاربة، إذ بدونها تصبح الكفايات مجرد شعارات نظرية لا تجد طريقها إلى التطبيق العملي.

1. الانطلاق من الوضعية المشكلة

يُعد مبدأ الوضعية المشكلة من أهم المبادئ التي تقوم عليها المقاربة بالكفايات، فهو يضع المتعلم في قلب العملية التعليمية من خلال مواجهة موقف مركب يتطلب التفكير والتحليل واتخاذ القرار. الوضعية المشكلة لا تعني مجرد تمرين روتيني، بل هي وضعية حقيقية أو مفترضة تشبه الواقع، تدفع المتعلم إلى استدعاء معارفه ومهاراته السابقة لتوليد حلول مبتكرة. على سبيل المثال، في درس الرياضيات، يمكن للمعلم تقديم مسألة حول توزيع موارد محدودة بين عدة أفراد، ما يدفع المتعلم لتطبيق قواعد الحساب والتفكير المنطقي، وبالتالي يتحول التعلم إلى تجربة عملية. هذا المبدأ يشجع المتعلم على التعلم الذاتي، ويكسر الجمود الناتج عن التعليم التقليدي الذي يركز على الحفظ والاستظهار فقط.

2. التعلم الذاتي واستقلالية المتعلم

يعتبر جعل المتعلم مسؤولا عن تعلمه أحد الركائز الأساسية في المقاربة بالكفايات. فالتعلم الذاتي يعزز قدرة المتعلم على اكتساب المعارف والمهارات بشكل مستقل، ويشجعه على البحث والاكتشاف. من خلال هذا المبدأ، يتحول المدرس من ناقل للمعلومة إلى ميسر للتعلم، يوجّه المتعلمين نحو المصادر والأنشطة التي تمكنهم من تطوير كفاياتهم. كما يساعد التعلم الذاتي على ترسيخ مهارات التفكير النقدي وحل المشكلات، ويشجع المتعلم على تحمل مسؤولية تعلمه واختيار الاستراتيجيات المناسبة له، مما يعزز ثقافة التعلم مدى الحياة ويجعل المتعلم أكثر استعداداً لمواجهة التحديات المستقبلية.

3. الاندماج بين المعارف والمهارات والقيم

يؤكد هذا المبدأ على ضرورة عدم فصل المعرفة عن التطبيق العملي والبعد القيمي. فالمقاربة بالكفايات تهدف إلى دمج المعارف النظرية مع المهارات العملية والقيم الأخلاقية والسلوكية، بحيث تصبح الكفاية متكاملة وشاملة. على سبيل المثال، عندما يُطلب من المتعلم إعداد مشروع علمي، فإنه لا يكتفي بتطبيق القواعد العلمية، بل يستخدم مهارات البحث والتواصل، ويظهر مواقفا من الانضباط والمسؤولية. إن هذا المبدأ يعكس الفلسفة الشاملة للتعليم الحديث، حيث يُنظر إلى المتعلم على أنه كيان متكامل، وليس مجرد حامل للمعرفة، ويتيح له التعامل مع المواقف المعقدة بوعي وقدرة على اتخاذ القرار.

4. التدرج في بناء الكفايات

ينص هذا المبدأ على ضرورة تنظيم التعلم بطريقة تراعي التدرج من البسيط إلى المركب، ومن الجزئي إلى الشمولي. فالمتعلم يبدأ باكتساب كفايات جزئية محددة في سياق معين، ثم تتطور هذه الكفايات تدريجياً لتصبح أكثر تعقيداً وشمولية. يساعد هذا التدرج على تعزيز الفهم العميق، وتقليل الإحباط، وضمان اكتساب الكفايات بشكل مستدام. كما يمكن للمدرس من خلال هذا المبدأ تقسيم المناهج والأنشطة التعليمية بحيث تحقق استمرارية التعلم، وتتيح للمتعلمين فرصاً متكررة لتطبيق ما تعلموه في مواقف متنوعة، مما يزيد من فعالية التعلم ويعزز الاستقلالية.

5. التقويم المستمر والمتكامل

يعتبر التقويم عنصراً أساسياً في المقاربة بالكفايات، فهو لا يقتصر على قياس معرفة المتعلم، بل يشمل مدى اكتسابه للكفايات المختلفة. يقوم هذا المبدأ على فكرة التقويم المستمر والمتكامل الذي يرافق عملية التعلم منذ البداية حتى النهاية، ويتيح للمدرس تقييم الأداء العملي للمتعلمين، وتحليل نقاط القوة والضعف، وتقديم التوجيه اللازم لتحسين التعلم. كما يشجع التقويم المستمر على المشاركة الفعالة للمتعلمين في مراجعة وتطوير تعلمهم، ويعزز ثقافة التحسين المستمر، ما يضمن تحقيق الأهداف التربوية بشكل أكثر دقة وفعالية. التقويم هنا ليس أداة للضغط، بل أداة للتعلم والتطوير.

6. مراعاة الفروق الفردية

أحد المبادئ الجوهرية الأخرى هو مراعاة الفروق الفردية بين المتعلمين، إذ تعترف المقاربة بالكفايات بأن كل متعلم يمتلك قدرات وميولات مختلفة، وبالتالي يحتاج إلى أساليب تعلم متباينة. يشجع هذا المبدأ على تنويع الوضعيات التعليمية والأنشطة الصفية لتلبية احتياجات جميع المتعلمين، سواء من حيث مستوى القدرة، أو نمط التعلم، أو سرعة الاستيعاب. كما يعزز التعليم التفريدي ويتيح لكل متعلم فرصة التعبير عن مهاراته الخاصة، ويسهم في الحد من الإقصاء التعليمي، ويضمن تكافؤ الفرص داخل الفصل الدراسي. وهذا المبدأ يجعل التعلم أكثر عدالة وفعالية، ويحفز المتعلمين على المشاركة والانخراط النشط.

7. التعلم في سياق التفاعل الاجتماعي

يشدد هذا المبدأ على أن التعلم لا يحدث بمعزل عن الآخرين، بل من خلال التفاعل الاجتماعي والتعاون. فالعمل الجماعي وحل المشكلات بشكل تعاوني يساعد المتعلمين على تبادل الخبرات، وتطوير مهارات التواصل، وتعزيز روح الفريق، وصقل الكفايات الاجتماعية. ويستند هذا المبدأ إلى النظرية السوسيو-بنائية التي ترى أن المعرفة تبنى من خلال التفاعل مع الآخرين، وأن التعلم التعاوني يزيد من فعالية اكتساب الكفايات. كما يساهم هذا التفاعل في تعزيز القيم مثل الاحترام والتسامح والتعاون، ويجعل المدرسة فضاءً تعليمياً واجتماعياً في الوقت ذاته.

8. الابتكار والتجديد في التدريس

يرتبط مبدأ الابتكار والتجديد بإيجاد طرق وأساليب تعليمية جديدة لتحفيز المتعلمين على المشاركة الفاعلة واكتساب الكفايات. فالمدرس في إطار المقاربة بالكفايات ليس ناقلاً للمعلومات فقط، بل مبتكراً يسعى إلى خلق وضعيات تعليمية متنوعة، واستعمال استراتيجيات حديثة، مثل التعلم بالمشروع، والمشاريع المشتركة، والأنشطة العملية، والتعلم القائم على البحث. يهدف هذا المبدأ إلى جعل التعلم أكثر متعة، وتحفيز التفكير النقدي والإبداعي، وتمكين المتعلم من ربط المعرفة بالحياة الواقعية، مما يزيد من جودة التعلم ويعزز القدرة على مواجهة المواقف الحقيقية بثقة وكفاءة.

يتصح من خلال هذه المبادئ أن المقاربة بالكفايات تركز على المتعلم، وتدمج بين المعرفة والمهارات والقيم، وتعتمد على الوضعيات المشكلة والتعلم الذاتي، مع مراعاة الفروق الفردية والتفاعل الاجتماعي. وهي بذلك تحقق التوازن بين النظرية والتطبيق، بين التعليم والتربية، وتعد من أنجع المقاربات الحديثة التي يمكن أن تسهم في تطوير جودة التعليم وتحقيق التعلم الفعّال.

الفصل الخامس: تحديات وسلبيات المقاربة بالكفايات

تُعد المقاربة بالكفايات من أبرز الاتجاهات البيداغوجية الحديثة التي سعت إلى تجاوز نقائص بيداغوجيا الأهداف، من خلال التركيز على ما يمتلكه المتعلم من قدرات عملية، تمكنه من مواجهة وضعيات جديدة ومعقدة في الحياة الواقعية. غير أن هذه المقاربة، رغم قيمتها التربوية وإضافتها النوعية، واجهت منذ ظهورها عدداً من التحديات والسلبيات التي أثرت على فاعليتها التطبيقية في الميدان التربوي. ومن ثمّ، فإن تحليل هذه التحديات لا يهدف إلى التقليل من أهميتها، بل إلى إبراز الصعوبات التي تحد من نجاحها وتستدعي التفكير في سبل تطويرها.

1. التحديات النظرية والمفاهيمية

يُعد الغموض المفاهيمي من أبرز التحديات التي تواجه المقاربة بالكفايات، إذ لم يُجمع الباحثون على تعريف موحد لمفهوم "الكفاية"، ولا على مكوناتها الدقيقة. فالبعض يراها قدرة على تعبئة الموارد لحل المشكلات، بينما يعتبرها آخرون نتاجًا مركبًا من المعرفة والمهارة والقيم. هذا التباين جعل التنزيل الميداني يعاني من الارتباك والتفاوت في الفهم بين المدرسين والمفتشين والمصممين البيداغوجيين. كما أن غياب تصور فلسفي موحد يقود التطبيق العملي جعلها تبدو أحياناً مجرد "موضة تربوية" أكثر من كونها مشروعاً إصلاحياً متكامل الأركان.

2. التحديات البيداغوجية والعملية

من الناحية التطبيقية، تحتاج المقاربة بالكفايات إلى مدرسين ذوي تكوين عميق في تصميم الوضعيات التعلمية وتدبيرها، وهي مهارة لا تتوافر لدى جميع المربين، خصوصاً في الأنظمة التعليمية التي لم تواكب إصلاح التكوين المهني. كما أن الانتقال من التعليم الموجَّه إلى التعلم الذاتي يستلزم تغييراً في أدوار المعلم والمتعلم، وهو تحول لا يتم بسهولة في ظل ثقافة مدرسية تقليدية تضع المدرس في مركز السلطة المعرفية. إضافة إلى ذلك، فإن صياغة "الوضعيات المشكلة" بطريقة تحفز التفكير والتحليل ليست بالأمر الهيّن، وتتطلب وقتاً وجهداً قد لا يتناسبان مع ضغط المقررات الدراسية وكثرة التلاميذ داخل القسم.

3. التحديات المرتبطة بالتقويم

يمثل التقويم إحدى الإشكاليات الكبرى في المقاربة بالكفايات، إذ لا يمكن قياس الكفايات بنفس أدوات التقويم التقليدية التي تركز على الحفظ واسترجاع المعلومات. فالكفاية تُقاس بمدى قدرة المتعلم على توظيف مكتسباته في وضعيات جديدة، وهو ما يتطلب أدوات متنوعة ومعقدة مثل شبكات الملاحظة، ودراسات الحالة، والمشاريع، والعروض، والمقابلات الشفهية. غير أن معظم المؤسسات التعليمية لا تمتلك الوسائل الزمنية والتنظيمية الكافية لتطبيق مثل هذا التقويم المركب. كما أن غياب معايير دقيقة لقياس الكفايات يجعل التقويم عرضة للذاتية ويصعب المقارنة بين أداء المتعلمين.

4. التحديات التنظيمية والبنيوية

إن تنزيل المقاربة بالكفايات يتطلب نظاماً تربوياً مرناً يتيح حرية في تخطيط المناهج، وإعادة توزيع الزمن المدرسي، واعتماد مشاريع تعلمية متكاملة. غير أن العديد من الأنظمة التعليمية ما تزال خاضعة لبنية تنظيمية صارمة تفرض نمطاً موحداً من التخطيط والتقويم، مما يعيق الإبداع والاجتهاد التربوي. كما أن الاكتظاظ داخل الفصول، وضعف التجهيزات، ونقص الوسائل الديداكتيكية، كلها عوامل تقلل من فرص تطبيق التعلم النشط القائم على المشاريع والوضعيات. إن هذه الصعوبات البنيوية تجعل المقاربة بالكفايات تبدو في الواقع نظرياً أكثر منها ممارسة فعلياً.

5. السلبيات التربوية والمعرفية

من بين أهم السلبيات التي نُسجت حول المقاربة بالكفايات، كونها قد تقلل – في بعض تطبيقاتها – من أهمية المعرفة النظرية المجردة لصالح المهارات العملية. فحين يُبالغ المدرسون في التركيز على "ما يمكن للتلميذ فعله" على حساب "ما ينبغي أن يعرفه"، فإن التوازن المعرفي يختل، ويصبح التعليم أقرب إلى التدريب العملي منه إلى التكوين الشامل للعقل. كما أن المقاربة بالكفايات قد تُهمِّش الجانب الثقافي والقيمي إذا لم تُصمم الوضعيات التعليمية بعناية تراعي السياق الاجتماعي والثقافي للمتعلمين. ومن السلبيات أيضاً أنها تتطلب مجهوداً زمنياً كبيراً من المدرس والمتعلم، وهو ما قد يؤدي إلى الإرهاق وفقدان الدافعية في بيئات تعليمية محدودة الموارد.

6. التحديات الثقافية والمجتمعية

تطبيق المقاربة بالكفايات لا يقتصر على المدرسة وحدها، بل يحتاج إلى بيئة مجتمعية تشجع التعلم الذاتي والتفكير النقدي والتعاون. غير أن كثيراً من المجتمعات ما تزال تنظر إلى النجاح الدراسي بمنظار تقليدي قائم على النقاط والامتحانات، مما يخلق تناقضاً بين فلسفة الكفايات التي تركز على التعلم للحياة، والمجتمع الذي يربط النجاح بالحفظ والاجتياز. كما أن الأسر في بعض السياقات لا تمتلك ثقافة تربوية داعمة لهذه المقاربة، ما يحد من فاعلية التواصل بين المدرسة والبيت، ويضعف الدعم الأسري للتعلم القائم على المشاريع.

7. حدود المقاربة بالكفايات

رغم طموحها الكبير في جعل التعلم أكثر واقعية وفاعلية، إلا أن المقاربة بالكفايات ليست حلاً سحرياً لكل المشكلات التربوية. فهي تظل إطاراً من بين أطر أخرى، يحتاج إلى تكييف دائم مع خصوصيات المتعلمين والسياق الثقافي والتنموي للمجتمع. ومن أبرز حدودها أن التركيز المفرط على الأداء العملي قد يؤدي إلى تهميش القيم الروحية والأخلاقية والمعارف التأملية التي تشكل أساس تكوين الإنسان المتكامل. كما أن نجاحها مرهون بمدى تكامل عناصر المنظومة التربوية ككل، من المناهج والتقويم والتكوين إلى السياسات التعليمية والتمويل.

8. خلاصة الفصل

يتضح من خلال تحليل التحديات والسلبيات أن المقاربة بالكفايات، رغم أهميتها البيداغوجية، تواجه عراقيل متعددة تحول دون تحقيقها لغاياتها الكاملة. فهي تتطلب تكويناً عميقاً للمدرسين، ومرونة مؤسساتية، ودعماً مجتمعياً متواصلاً. كما تحتاج إلى إعادة توازن بين البعد المعرفي والعملي في التعليم، حتى لا يتحول التعلم إلى مجرد أداء وظيفي خالٍ من العمق الثقافي والقيمي. إن تجاوز هذه التحديات يستلزم رؤية شمولية تجعل من المقاربة بالكفايات جزءاً من مشروع تربوي وطني متكامل يهدف إلى بناء متعلم قادر على التفكير والإبداع والعمل والمواطنة الفاعلة في آن واحد.

الخاتمة

لقد تناول هذا المقال المقاربة بالكفايات من زوايا متعددة، بدءاً من مفهومها وأساسياتها، مروراً بأهدافها التربوية الشاملة، ثم المبادئ الأساسية التي يقوم عليها تطبيقها العملي في الصفوف الدراسية، وانتهاء بسلبياتها والتحديات التي تواجه تطبيقها. ويتضح من خلال الدراسة أن المقاربة بالكفايات ليست مجرد أسلوب تدريسي جديد، بل هي فلسفة تربوية شاملة تهدف إلى وضع المتعلم في قلب العملية التعليمية، وتمكينه من اكتساب كفايات شاملة تجمع بين المعرفة، والمهارة، والقيم، بما يمكنه من مواجهة التحديات الواقعية في حياته الدراسية والمهنية والاجتماعية. كما أن التركيز على الوضعية المشكلة والتعلم الذاتي، والتدرج في بناء الكفايات، ومراعاة الفروق الفردية، والتقويم المستمر، كلها عناصر تجعل المقاربة بالكفايات وسيلة فعالة لتحقيق التعلم الفعّال والجودة التعليمية.

من خلال الأهداف التي تناولناها، يظهر أن المقاربة تسعى إلى تطوير شخصية المتعلم بشكل شامل، وتنمية استقلاليته الفكرية، وربط المدرسة بالحياة الواقعية، وتعزيز التفكير النقدي وحل المشكلات، وبناء التعلم المستمر مدى الحياة، وتحقيق جودة التعليم، وإعداد المتعلم للاندماج الاجتماعي والمهني، مع مراعاة الفروق الفردية وترسيخ القيم الإنسانية. كل هذه الأهداف تترابط مع المبادئ الأساسية للمقاربة التي تؤكد على التفاعل الاجتماعي، والابتكار في التدريس، ودمج المعرفة بالمهارات والقيم، والانطلاق من الوضعيات المشكلة كأساس لبناء الكفايات.

ويتضح من خلال المقال أن للمقاربة بالكفايات تواجه مجموعة من التحديات والسلبيات التي تؤثر على فاعليتها. فهي تحتاج إلى تكوين مستمر وعميق للمدرسين، ومرونة تنظيمية تسمح بحرية التخطيط وتنفيذ المشاريع التعلمية، ووسائل تعليمية وتقويمية مناسبة لقياس الكفايات المركبة. كما تواجه صعوبات ثقافية واجتماعية في تقبل نموذج التعلم الذاتي والمشارك، إضافة إلى خطر التركيز المفرط على الأداء العملي على حساب المعرفة النظرية والقيم الثقافية. هذه التحديات لا تنقص من أهمية المقاربة، لكنها تبرز الحاجة إلى استراتيجيات دعم وتخطيط شاملة لضمان تحويلها من إطار نظري إلى ممارسة تعليمية فعّالة تحقق التعلم الجيد وتنمية المتعلمين بشكل متوازن

وفي ضوء ما تقدم، يمكن القول إن المقاربة بالكفايات تمثل رهاناً حقيقياً لتطوير التعليم الحديث، لأنها تربط النظرية بالتطبيق، والمعرفة بالممارسة، والفكر بالقيم، مما يجعل التعلم ذا معنى ومؤثراً. كما أنها تعزز قدرة المتعلمين على التكيف مع التحولات السريعة في المجتمع وسوق العمل، وتزرع فيهم روح المبادرة والابتكار، وتغرس القيم الاجتماعية والأخلاقية التي تجعلهم مواطنين مسؤولين. ورغم التحديات التي قد تواجه تطبيقها، مثل الاكتظاظ داخل الأقسام أو الحاجة إلى تكوين خاص للمدرسين، فإن هذه المقاربة تبقى من أنجع وأهم الأساليب الحديثة التي يمكن أن ترفع مستوى التعليم وتحقق التنمية للمتعلمين والمجتمع.

ختاماً، تؤكد المقاربة بالكفايات أن التعليم لا يقتصر على نقل المعرفة، بل هو عملية شاملة لبناء الإنسان القادر على التعلم والتكيف والمساهمة الإيجابية في محيطه، مما يجعلها إطاراً ضرورياً لأي نظام تعليمي يسعى إلى تطوير الجودة، وتعزيز كفايات المتعلمين، وتحقيق التوافق بين المدرسة وواقع الحياة المعاصر.

تعليقات
ليست هناك تعليقات
إرسال تعليق

إرسال تعليق

الاسمبريد إلكترونيرسالة