
مقدمة
شهدت العملية التعليمية في العقود الأخيرة تحوّلات عميقة انتقلت بالتعليم من مجرد تلقينٍ للمعارف إلى جعل المتعلم محوراً أساسياً في العملية التربوية. ومن بين هذه التحولات برز مفهوم التعلم النشط باعتباره أحد أهم المداخل البيداغوجية الحديثة التي تسعى إلى إشراك المتعلم في بناء معارفه وصقل مهاراته عبر التفاعل والمشاركة الإيجابية. ولم يعد التعلم مجرد عملية استقبال للمعلومة، بل أصبح نشاطاً فكرياً وعملياً يقوم فيه المتعلم بالبحث، والاستكشاف، والتحليل، والنقاش، مما يجعله أكثر فاعلية وديمومة.في هذا المقال سنتناول بالشرح مفهوم التعلم النشط، أهميته، أبرز استراتيجياته، ثم نعرض مميزاته وتحديات تطبيقه داخل الصفوف الدراسية.
مفهوم التعلم النشط
يقصد بـ التعلم النشط (Active Learning) مجموعة من الاستراتيجيات والممارسات التربوية التي تجعل المتعلم فاعلاً في بناء تعلمه، من خلال أنشطة تستدعي منه التفكير والتحليل واتخاذ القرار وحل المشكلات، بدلاً من الاقتصار على الاستماع السلبي للمعلم.فالمتعلم هنا لا يتلقى المعلومة جاهزة، وإنما يشارك في صياغتها أو اكتشافها، مما يعزز لديه القدرة على الفهم العميق والتطبيق في مواقف حياتية مختلفة.
خصائص التعلم النشط
يتميز التعلم النشط بجملة من الخصائص التي تميّزه عن الأنماط التقليدية للتعلم، ومن أهمها:1. مركزية المتعلم: حيث يكون محور العملية التعليمية.
2. التفاعل الإيجابي: يتم عبر أنشطة جماعية أو فردية تستدعي مشاركة المتعلم.
3. تنمية مهارات التفكير العليا: كالتحليل، التركيب، النقد، وحل المشكلات.
4. استخدام استراتيجيات متنوعة: مثل العصف الذهني، التعلم التعاوني، ولعب الأدوار.
5. ارتباط التعلم بالواقع: بحيث تصبح المعرفة أكثر قرباً من حياة المتعلم.
أهمية التعلم النشط
إن اعتماد التعلم النشط في الممارسات الصفية يحقق جملة من الفوائد التربوية، نذكر منها:- زيادة الدافعية للتعلم: إذ يشعر المتعلم أنه شريك حقيقي في بناء المعرفة.
- تنمية الاستقلالية: لأنه يتعلم كيف يبحث بنفسه عن المعلومة.
- تثبيت المعلومات: حيث أثبتت الدراسات أن مشاركة المتعلم في النشاط تساعده على تذكر المعلومات لفترات أطول.
- تنمية مهارات التواصل: من خلال العمل الجماعي وتبادل الآراء.
- تعزيز الثقة بالنفس: حين يعرض المتعلم أفكاره ويدافع عنها بالحجة والبرهان.
استراتيجيات التعلم النشط
توجد عدة استراتيجيات يمكن للمدرسين اعتمادها لتفعيل التعلم النشط داخل القسم، من أبرزها:1. العصف الذهني
يقوم على إثارة مجموعة من الأفكار حول قضية أو مشكلة معينة، مما يساعد المتعلمين على الإبداع وتوليد الحلول.2. التعلم التعاوني
يتضمن تقسيم المتعلمين إلى مجموعات صغيرة يتشاركون في إنجاز مهمة محددة، مما يعزز روح الفريق والاحترام المتبادل.3. لعب الأدوار
يُطلب من المتعلمين تمثيل مواقف حياتية أو دراسية، وهو ما يساعد على تنمية مهارات التواصل والتعبير.4. حل المشكلات
يُطرح على المتعلمين موقف إشكالي، ويُطلب منهم البحث عن حلول ممكنة اعتماداً على معارفهم السابقة ومصادر مختلفة.5. التعلم القائم على المشروع
يقوم المتعلمون بإنجاز مشروع متكامل حول موضوع محدد، يجمع بين البحث النظري والتطبيق العملي.مميزات التعلم النشط
- يجعل الدروس أكثر تشويقاً وحيوية.-!يساهم في تكييف التعلم مع اختلافات المتعلمين.
- يساعد على تنمية مهارات القرن 21 مثل التفكير النقدي، الإبداع، والعمل الجماعي.
- يُعزز التعلم الذاتي ويجعل المتعلم قادراً على التعلم مدى الحياة.
تحديات تطبيق التعلم النشط
رغم مزاياه العديدة، إلا أن هناك مجموعة من التحديات التي قد تعيق تطبيقه في المؤسسات التعليمية، ومنها:1. الاكتظاظ داخل الأقسام، مما يجعل من الصعب إشراك جميع المتعلمين في الأنشطة.
2. ضيق الزمن المدرسي، حيث يحتاج التعلم النشط إلى وقت أطول مقارنة بالطرق التقليدية.
3. ضعف تكوين بعض المدرسين في هذا المجال، مما يعيق توظيف الاستراتيجيات الحديثة بشكل فعال.
4. مقاومة التغيير سواء من طرف بعض المعلمين أو المتعلمين الذين اعتادوا على طرق التدريس التقليدية.
إرسال تعليق