U3F1ZWV6ZTI0NjIzNDY2NzAzMjMyX0ZyZWUxNTUzNDYxMjAwODY3OA==

مفهوم التعلم في علم النفس التربوي: تعريفه وشروطه وأهميته في العملية التعليمية وتطوير سلوك الفرد والمجتمع


صورة لدفاتر وأقلام

مفهوم التعلم في علم النفس التربوي: تعريفه وشروطه وأهميته في العملية التعليمية وتطوير الفرد والمجتمع 

مفهوم التعلم

يعد موضوع التعلم من أكثر موضوعات علم النفس التربوي أهمية وإثارة لاهتمام العديد من الباحثين، فقد تركز جل اهتمام الباحثين في ميدان علم النفس مند نشأته على التعلم محاولين التعرف على هذه الظاهرة الإنسانية المعقدة من أجل التوصل إلى القوانين التي تتحكم بها وكيفية استثمارها وتوظيفها في المواقف الحياتية المختلفة وخصوصا التربوية منها. وتنبع أهمية موضوع التعلم من كونه عملية يكسب الفرد من خلالها أنماطا سلوكية جديدة ومهارات معرفية وانفعالية بسيطة ومعقدة تساعده في تكيفه مع بيئته الداخلية والاجتماعية التي يتفاعل معها بشكل دائم ومستمر، ومواجهة الأخطار والتحديات المحيطة به كما وتساعد معرفتنا للتعلم على التوصل إلى فهم أفضل وأعمق للسلوك الإنساني الذي يجمع غالبية علماء النفس على اعتباره سلوكا متعلما معظمه.([1])

فإذا علمنا أن معظم السلوكات الإنسانية هي سلوكات متعلمة، أدركنا سبب اهتمام علماء النفس التربوي بفهم ظاهرة التعلم والبحث عن العوامل المؤثرة فيه وشروط اكتسابه ... ففهم عملية التعلم من شأنه أن يساعدنا في ابتكار طرق واستراتيجيات تعليمية فعالة، بحيث تساعدنا في إكساب المتعلمين مجموعة متنوعة من المعارف والمهارات والسلوكات الجديدة التي يحتاجون إليها من أجل التكيف مع البيئة المحيطة بهم.

تعريف التعلم:

إيجاد تعريف محدد للتعلم ليس بالأمر السهل، وسبب ذلك يرجع إلى الاختلاف الحاصل بين العلماء في تعريفه، واختلافهم في تعريف التعلم "راجع إلى اختلاف مدارسهم النفسية والفلسفية بوجه عام"،([2]) فمفهوم التعلم وشروطه وطبيعته تختلف من نظرية لأخرى باختلاف الاتجاهات العلمية ووجهات النظر ومجال الدراسة،([3]) فهو يمثل قضية شائكة وهامة في مجال التربية وعلم النفس، بحث لا يمتلك أحد إجابات قاطعة حول طبيعته.([4]) وقد وضع المختصون للتعلم عدة تعريفات سنذكر بعضها:

- أن "التعلم تغير شبه دائم في سلوك الكائن الحي، نتيجة للخبرة والممارسة والتدريب"([5]) وهذا التعريف هو الأكثر شيوعا.

- التعلم عبارة عن "نشاط يؤديه المتعلم بإشراف المعلم أو دونه، يهدف إلى اكتساب معرفة أو مهارة أو تغيير سلوك".([6])

- التعلم هو "كل ما يكتسبه الفرد من معارف ومعان وأفكار واتجاهات وعواطف وميول وقدرات ومهارات حركية وغير حركية".([7])

- يعرف كرومباخ التعلم بأنه "أي تغير شبه دائم نسبيا في السلوك نتيجة للخبرة"، ويعرفه أبو حطب على أنه " تغير شبه دائم في الأداء تحت ظروف الخبرة أو الممارسة أو تدريب".([8])

ويعرف بياجيه التعلم بأنه: "تغير في السلوك لحل موقف مشكل، أو تغير ثابت نسبيا في السلوك نتيجة للتدريب أو الخبر، ومن شروط التعلم: يتحقق التعلم الجيد عند توفر الشروط الآتية: (وجود الدوافع، الممارسة، النضج)"([9]).

ويعرفه الدكتور أنور محمد الشرقاوي بقوله: "التعلم هو عملية تغير شبه دائم في سلوك الفرد لا يلاحظ بشكل مباشر ولكن يستدل عليه من السلوك ويتكون نتيجة الممارسة، كما يظهر في تغير الأداء لدى الكائن الحي".([10])

وقد يتم التعلم بطريقة مقصودة كالتعلم الذي يتعلمه التلاميذ في المدرسة مثلا، وقد يتم التعلم بطريقة عرضية، كما أن السلوكات والمهارات والمعارف... التي
يكتسبها الفرد قد تكون إيجابية وقد تكون سلبية، وفي كلتا الحالتين يسمى ذلك تعلما، فمن الملاحظ في التعريفات السابقة أنها لم تشترط أن تكون المعارف المكتسبة أو التغيرات التي تطرأ على السلوك... إيجابية لكي يتحقق التعلم، لأن الإنسان على سبيل المثال إذا صاحب الأشرار قد يتعلم سلوكات وقيم ومعارف فاسدة، وتتفق التعريفات السابقة على كون التعلم أمرا مكتسبا، كما يمكننا ملاحظة أن معظم التعريفات السابقة تتفق في كون التعلم سلوكا مكتسبا ثابتا نسبيا نتيجة الخبرة والتدريب والممارسة.

شروط التعلم:

لابد للتعلم الجيد أن تتوفر فيه مجموعة من الشروط الأساسية وهي:

1) الدافعية: لكي نحصل على تعلم جيد لا بد من أن يمتلك المتعلم رغبة داخلية في التعلم، والدوافع هي عبارة عن حالات داخلية لا يتم ملاحظتها بشكل مباشر بل يتم استنتاجها من الاتجاه العام للسلوك الصادر عنها.

2) النضج: لا يتحقق التعلم إلا إذا كان مستوى نضج الفرد يمكنه من القيام بالنشاط اللازم للتعلم، وقد يكون هذا النضج عقليا أو فيسيولوجيا، أو انفعاليا أو اجتماعيا، حسب نوع النضج الذي يتطلبه نوع التعلم المراد تحقيقه،([11]) وللنضج عدة مستويات مختلفة، "وعندما يعرف المعلم مدى ما وصل إليه المتعلم في مستوى النمو والنضج، يستطيع أن يهيئ له مواقف التعلم المناسبة لمستواه([12])، فعلى سبيل المثال فإن الطفل الذي لم يتعلم المشي بعد لا يمكنه تعلم كرة القدم، كما أن بنية الطفل الضعيفة لا تمكنه من تعلم مهارات تستلزم جهدا بدنيا عاليا، وبالتالي يجب مراعاة مرحلة النضج التي وصل إليها المتعلم وذلك لتهيئ المواقف التعليمية بما يتناسب مع قدراته العقلية والجسمية.

3) الممارسة: لكي يتعلم التلميذ المادة الدراسية لا يكفي أن يشرح المعلم الدرس وأن يكرر الشرح، بل يجب أن يمارس التلميذ المادة لكي يتعلمها([13])، فالتعلم لا يقتصر على تحصيل المعرفة فقط، بل يتضمن أيضا اكتساب المهارات وأساليب التفكير والقيم والاتجاهات([14])، كما أن الممارسة العملية وحدها لا تكفي، بل يجب أن تكون مصحوبة بإشراف وتوجيه وتصحيح من طرف المدرس([15]). وبالتالي فإنه يجب التركيز على الممارسة وعدم الاكتفاء بالمدارسة، وذلك للحصول على تعلم جيد.

4) الاستعداد: يسهل على المتعلم القيام بعمل ما حينما يكون متهيئا ومستعدا للقيام به، أما إذا لم يكن مستعدا للقيام به فإنه يصعب عليه القيام بالعمل.([16]) وحسب قانون الاستعداد الذي صاغه ثورندايك في نظرية الاشتراط الإجرائي فإن سرور المتعلم أو انزعاجه من القيام بعمل ما مبني على درجة استعداده للقيام بهذا العمل، فإذا كان مستعدا للقيام بعمل ما فإن ذلك العمل سيكون مدعاة للسرور والرضا،  بينما إذا لم يكن المتعلم مستعدا للقيام به فإنه سيقع العكس.

أهمية التعلم في تطوير الفرد والمجتمع

يمثل التعلم عاملًا حيويًا في صقل شخصية الفرد وصياغة قدراته الفكرية والاجتماعية والانفعالية. فهو ليس مجرد اكتساب للمعرفة، بل وسيلة لتطوير الوعي الذاتي، التفكير النقدي، وحل المشكلات بفعالية، وتمكين المتعلم من مواجهة تحديات الحياة اليومية بثقة وكفاءة. كما يعزز التعلم القدرة على التواصل والتعاون مع الآخرين، مما يرفع مستوى الأداء الاجتماعي ويسهم في بناء علاقات إيجابية ومستدامة.

على الصعيد المجتمعي، يشكل التعلم قاعدة أساسية للنهوض بالاقتصاد والثقافة والابتكار، فهو يولّد أفراداً قادرين على الإبداع واتخاذ المبادرات، ويساهم في تطوير المجتمعات من خلال تعزيز المشاركة الفعالة في مختلف المجالات الحياتية والسياسية والثقافية. وبذلك يصبح التعلم ليس مجرد عملية فردية، بل قوة دافعة للتنمية المستدامة، حيث يربط بين النمو الشخصي للإنسان وتقدّم المجتمع ككل، ويؤسس لبيئة تعليمية وثقافية تثمر جيلاً واعياً ومؤهلاً لمواجهة المستقبل بثبات ومرونة.

خاتمة

يُعد التعلم محورًا أساسيًا في علم النفس التربوي، إذ يتيح للفرد اكتساب المهارات والمعارف والقيم اللازمة للتكيف مع محيطه والمشاركة الفاعلة في المجتمع. من خلال فهم شروط التعلم وطبيعته وآلياته، يستطيع المعلم ابتكار استراتيجيات تعليمية فعالة تساعد المتعلم على النمو الفكري والاجتماعي والانفعالي، وتحقيق أهداف التربية بفاعلية. كما أن التعلم يمثل ركيزة أساسية لتقدم المجتمعات، إذ يسهم في تنمية التفكير النقدي، وتعزيز الابتكار، وتمكين الأفراد من مواجهة التحديات بثقة. ومن هذا المنطلق، يصبح الاستثمار في التعلم وتطويره أداة استراتيجية ليس فقط لتنمية الفرد، بل لتمكين المجتمع ككل وتحقيق التنمية المستدامة، مما يؤكد الأهمية الكبرى لهذا الموضوع في ميدان التربية وعلم النفس التربوي.

المصادر:

([1]) علم النفس التربوي: النظرية والتطبيق، أ.د. عدنان يوسف العتوم، دار المسيرة للنشر والتوزيع والطباعة، عمان، ط5، 1435هـ/2014م، ص: 89-90.
([2]) نظريات التعلم: تطبيقات علم نفس التعلم في التربية، أ.د: محمد زياد حمدان، سلسلة التربية الحديثة 42، دار التربية الحديثة، دمشق، د.ط، 1417هـ/1997م، ص: 6، بتصرف.
([3]) علم النفس التربوي، د: رشاد صالح دمنهور، د: علاء الدين السعيد النجار، د: ميسرة كايد طاهر، مكتبة دار جدة، جدة، ط1، 1421هـ، ص: 32-33، بتصرف.
([4]) نظريات التعلم: تطبيقات علم نفس التعلم في التربية، أ.د: محمد زياد حمدان، ص: 4، بتصرف.
([5]) نظريات التعلم وتطبيقاتها التربوية، أ.د.م: كفاح يحيى صالح العسكري، أ.د.م: محمد سعود صغير الشمري، أ.د.م: علي محمد العبيدي، تموز للطباعة والنشر والتوزيع، دمشق، ط1،2012م، ص: 13.
([6]) المرجع السابق، ص: 11.
([7]) علم النفس التربوي، د: رشاد صالح دمنهور، د: علاء الدين السعيد النجار، د: ميسرة كايد طاهر، ص: 32.
([8]) فلسفة التفكير ونظريات في التعلم والتعليم، د: فارس راتب الأشقر، دار زهران للنشر والتوزيع، الأردن، ط1، 1431هـ/2011م، ص: 128.
([9]) علم نفس نمو الطفل المعرفي، أ.د. محمود محمد ميلاد، دار الإعصار العلمي للنشر والتوزيع، عمان، ط.ع 1، 1436هـ/2015م، ص: 232.
([10]) التعلم: نظريات وتطبيقات، د. أنور محمد الشرقاوي، مكتبة الأنجلو المصرية، القاهرة، ط 4، 1991م، ص: 11-12.
([11]) التعلم: المفهوم - النماذج - التطبيقات، د. محمد عبد الحليم منسى، نشر: مكتبة الأنجلو المصرية، القاهرة، 2002م، طباعة: مطبعة أبناء وهبة حسان، د.ط، ص: 38.
([12]) المرجع السابق، ص: 56.
([13]) المرجع السابق، ص: 60.
([14]) المرجع السابق، ص: 59، بتصرف.
([15]) المرجع السابق، ص: 59، بتصرف.
([16]) علم النفس التربوي: للمعلمين والمعلمات، أ.د. حمدي شاكر محمود، أ. هويدا علام أحمد، دار الأندلس للنشر والتوزيع، المملكة العربية السعودية - حائل، ط 1، 1425هـ/2004م، ص: 60، بتصرف.

النص مأخود من رسالة ماستر للطالب زكرياء مربوح بعنوان: نظريات التعلم الحديثة وتطبيقاتها التربوية، مع بعض الإضافات.
تعليقات
ليست هناك تعليقات
إرسال تعليق

إرسال تعليق

الاسمبريد إلكترونيرسالة