U3F1ZWV6ZTI0NjIzNDY2NzAzMjMyX0ZyZWUxNTUzNDYxMjAwODY3OA==

التعلم الإجرائي عند سكنر: النظرية والتطبيقات العملية في التربية والسلوك الإنساني


صورة لكتب وكرة أرضية تعليمية

التعلم الإجرائي عند سكنر: النظرية والتطبيقات العملية في التربية والسلوك الإنساني

الجزء الأول: نشأة نظرية سكنر وأسس التعلم الإجرائي

مقدمة

لطالما شكل السلوك الإنساني لغزًا معقدًا أثار فضول العلماء والفلاسفة لقرون، فكيف ولماذا يقوم الإنسان بأفعال معينة ويتجنب أخرى؟ ومع مطلع القرن العشرين، ظهرت المدرسة السلوكية التي ركزت على دراسة السلوك القابل للملاحظة والقياس، ممثلة برؤية جون واطسون التي ركزت على العلاقة المباشرة بين المثير والاستجابة. لكن في منتصف القرن العشرين، قدم عالم النفس الأمريكي البارز بورهوس فريدريك سكنر (B.F. Skinner) إطارًا ثوريًا أعمق وأكثر عملية: نظرية التعلم الإجرائي (Operant Learning)، التي قلبت مفهوم التعلم والتعديل السلوكي رأسًا على عقب.

انتقل سكنر بنا من التساؤل التقليدي: "ما الذي يدفعنا للتصرف بهذه الطريقة؟"، إلى سؤال أكثر دقة وعمقًا: "كيف تؤثر النتائج المترتبة على أفعالنا في سلوكنا المستقبلي؟" وأوضح أن السلوك الإنساني لا يتشكل فقط بفعل المثيرات المباشرة، بل يعتمد بشكل رئيسي على العواقب التي تلحق بالأفعال، سواء كانت إيجابية (تعزيز) أو سلبية (عقاب). ومن خلال هذه النظرة، أصبح بالإمكان تفسير السلوك اليومي وتوجيهه بشكل علمي وعملي.

لقد امتدت تطبيقات التعلم الإجرائي من المختبرات البحثية إلى الفصول الدراسية، وعيادات العلاج النفسي، وحتى إلى المؤسسات الإدارية الحديثة، ليصبح أداة قوية لفهم الإنسان وتوجيه سلوكه نحو الأداء الأمثل. تهدف هذه الورقة إلى استعراض نظرية سكنر من جميع جوانبها: من نشأتها التاريخية وأسسها الفلسفية، مرورًا بتجربة صندوق سكنر الشهيرة ومفاهيم التعزيز والعقاب، وصولًا إلى التطبيقات العملية الواسعة في التربية، العلاج السلوكي، وإدارة المؤسسات.

في النهاية، سنكتشف كيف وفرت نظرية سكنر مفتاحًا لفهم كيفية تشكيل الخبرات لسلوكنا، وكيف يمكن استغلال هذا الفهم العلمي لتطوير بيئات تعليمية واجتماعية أكثر فعالية وإيجابية، بما يجعل التعلم الإجرائي واحدًا من أهم إسهامات علم النفس الحديث.

1. الخلفية التاريخية للسلوكية وتطورها

شهد مطلع القرن العشرين بروز المدرسة السلوكية بوصفها ثورة على المدارس النفسية السابقة التي ركزت بشكل مفرط على الوعي والعمليات العقلية الباطنية. وكان جون واطسون المؤسس الأول لهذا الاتجاه، حيث أكد أن علم النفس يجب أن يركز على السلوك القابل للملاحظة والقياس بدلاً من الاعتماد على التأمل الذاتي أو التحليل العقلي.

تأثر عدد من العلماء برؤية واطسون، ومن بينهم كلارك هل وإدوارد تولمان، لكن الأكثر تأثيراً واستمرارية كان بورهوس فريدريك سكنر (B.F. Skinner) الذي طور السلوكية إلى شكل جديد أكثر عملية وواقعية. فقد اعتبر أن السلوك ليس مجرد استجابات شرطية آلية كما صوّرها بافلوف، بل هو عمليات معقدة تتأثر بالبيئة ونتائج الأفعال.

2. مفهوم الإشراط الإجرائي

أدخل سكنر مصطلح الإشراط الإجرائي ليعبر عن شكل جديد من التعلم يعتمد على النتائج. ففي حين ركز بافلوف وواطسون على العلاقة بين المثير والاستجابة (م → س)، جاء سكنر ليقول إن الاستجابة قد تتكرر أو تضعف بناءً على ما يعقبها من نتائج. فإذا تلتها مكافأة أو تعزيز إيجابي زاد احتمال تكرارها، وإذا تلتها نتيجة سلبية قلّ احتمال ظهورها.

من هنا ظهر ما يسمى بـ التعلم الإجرائي، وهو عملية يكتسب فيها الكائن الحي خبرات جديدة من خلال المحاولة والخطأ وربط السلوك بنتائجه. ولهذا سُميت "إجرائية" لأن الفرد يؤدي إجراءات أو أفعالاً تجاه البيئة، فيختبر نتائجها ويعدل سلوكه تبعاً لها.

3. الفروق بين السلوك الاستجابي والسلوك الإجرائي

لفهم نظرية سكنر بشكل أوضح، يجب التمييز بين نوعين من السلوك:

- السلوك الاستجابي: وهو السلوك الذي يحدث كرد فعل مباشر لمثير محدد، مثل إفراز اللعاب عند شم رائحة الطعام أو ارتعاش العين عند تعرضها للضوء.

- السلوك الإجرائي: وهو السلوك الذي يقوم به الفرد بشكل اختياري نسبياً، ولا يعتمد على مثير محدد، بل يتأثر بنتائجه. فقيادة السيارة أو اختيار قراءة كتاب معين ليست استجابات آلية لمثير، وإنما أفعال نقرر القيام بها بناءً على خبراتنا السابقة ونتائج سلوكياتنا.

يرى سكنر أن السلوك الإجرائي أكثر أهمية في حياة الإنسان من السلوك الاستجابي، لأنه يشمل معظم تصرفاتنا اليومية التي نبنيها عبر التعلم والخبرة.

4. التطبيقات الأولى لنظرية سكنر

لم تبقَ نظرية سكنر في حدود المختبر، بل امتدت إلى مجالات متعددة مثل:

- التربية والتعليم: تحسين أساليب التدريس من خلال استخدام التعزيز لتقوية السلوك المرغوب لدى التلاميذ.

- العلاج النفسي السلوكي: تعديل السلوكيات غير المرغوبة عند الأفراد باستخدام التعزيز والعقاب.

- السياسة وعلم الاجتماع: فهم كيفية تأثير المكافآت والعقوبات في ضبط السلوك الاجتماعي.

- علم الإجرام: دراسة دوافع السلوك الإجرامي وإمكانية تعديله عبر تعزيز بدائل إيجابية.

بهذا أصبح التعلم الإجرائي أداة تفسيرية وعملية في آن واحد.

الجزء الثاني: تجارب سكنر، التعزيز، وصندوق سكنر

1. تجربة صندوق سكنر

من أبرز إنجازات سكنر تصميمه لما يُعرف بـ صندوق سكنر. وهو جهاز يُستخدم لدراسة التعلم الإجرائي عند الحيوانات. يوضع الحيوان (مثل فأر أو حمامة) داخل صندوق مجهز برافعة أو زر، وإذا ضغط عليه الحيوان يحصل على طعام أو ماء.

في البداية يضغط الحيوان بالصدفة، لكن مع تكرار التجربة يبدأ بربط الضغط على الرافعة بالحصول على الغذاء، فيزيد معدل ضغطه عليها. وقد لاحظ سكنر أن معدل الاستجابة هو المقياس الحقيقي للتعلم، فكلما زاد الضغط على الرافعة دل ذلك على نجاح التعزيز.

2. مفهوم التعزيز وأنواعه

شكل مفهوم التعزيز (Reinforcement) حجر الزاوية في نظرية سكنر. ويُقصد به أي حدث يزيد من احتمال تكرار السلوك. وينقسم إلى نوعين رئيسيين:

1. التعزيز الإيجابي: تقديم مكافأة بعد السلوك مثل الطعام للحيوان، أو الثناء للطالب، مما يؤدي إلى تقوية السلوك.

2. التعزيز السلبي: إزالة مثير مزعج بعد الاستجابة الصحيحة، مثل توقف الصوت المزعج عند الضغط على زر معين. والنتيجة أيضاً هي تقوية السلوك.

وبالمقابل، يوجد العقاب الذي يهدف إلى إضعاف السلوك غير المرغوب إما بإضافة مثير سلبي أو حرمان الفرد من تعزيز إيجابي.

3. أهمية التعزيز في التعلم الإجرائي

أكد سكنر أن التعلم لا يتم عبر اكتساب استجابات جديدة بالكامل، بل عبر تقوية الاستجابات الموجودة أصلاً وجعلها تتكرر أكثر. وهذا يتم من خلال التحكم في التعزيز. فالتلميذ الذي يحظى بالتقدير عند مشاركته في القسم سيكرر سلوك المشاركة، بينما الذي يتعرض للتجاهل قد يقلل من مشاركته.

4. تطبيقات عملية للتعلم الإجرائي

- في التعليم: يمكن للمعلمين استخدام التعزيز اللفظي (كلمات التشجيع) أو الرمزي (منح نقاط أو علامات) لتحفيز التلاميذ على السلوكيات الإيجابية مثل الانضباط وحل الواجبات.

- في تربية الأطفال: تستخدم الأمهات والآباء التعزيز بشكل فطري، كإعطاء الحلوى للطفل عندما يلتزم بالسلوك الجيد.

- في العلاج السلوكي: يتم تدريب الأفراد على استبدال سلوكياتهم السلبية بأخرى إيجابية عبر نظام منظم من التعزيز.

- في المؤسسات: تعتمد الكثير من الشركات على أنظمة المكافآت والحوافز لتعزيز الإنتاجية والانضباط.

5. نظرية سكنر ومفتاح السلوك

اعتقد سكنر أن فهم التعزيز يمنحنا ما يشبه "المفتاح" للتحكم في السلوك الإنساني. فإذا أردنا تقوية سلوك ما أو تقليله، يكفي أن نتحكم في النتائج المترتبة عليه. وهذا جعل نظريته تحظى بانتشار واسع وتطبيقات لا حصر لها في حياتنا اليومية.

الخاتمة: أهمية التعلم الإجرائي في حياتنا المعاصرة

إن نظرية التعلم الإجرائي عند سكنر ليست مجرد نظرية نفسية، بل هي إطار عملي لفهم السلوك الإنساني وتعديله. فقد أوضحت أن السلوك لا ينشأ فقط من مثيرات آلية، وإنما يتحدد بشكل أساسي من خلال نتائجه. وبهذا يمكننا أن نفهم لماذا يختار الناس أفعالاً معينة ويتجنبون أخرى.

في ميدان التربية، تقدم النظرية أدوات فعالة للمعلمين لتشجيع السلوكيات الإيجابية لدى التلاميذ، وفي العلاج النفسي تساعد في علاج اضطرابات السلوك. كما أن لها دوراً في العمل والإدارة من خلال أنظمة الحوافز.

لقد منحنا سكنر من خلال مفهوم التعزيز آلية عملية لضبط السلوك الإنساني والحيواني على حد سواء. وهذا ما يجعل التعلم الإجرائي من أهم المساهمات في علم النفس الحديث، حيث يجمع بين الصرامة العلمية والقدرة على التطبيق في الحياة الواقعية.
تعليقات
ليست هناك تعليقات
إرسال تعليق

إرسال تعليق

الاسمبريد إلكترونيرسالة