U3F1ZWV6ZTI0NjIzNDY2NzAzMjMyX0ZyZWUxNTUzNDYxMjAwODY3OA==

نظرية المحاولة والخطأ لثورندايك: أسس التعلم وقوانين الاستعداد والتدريب والأثر لدى الإنسان والحيوان


نظرية المحاولة والخطأ لثورندايك: أسس التعلم بين الإنسان والحيوان

مقدمة

يعتبر التعلم أحد أهم العمليات النفسية التي تحدد مسار حياة الإنسان منذ الطفولة وحتى الكهولة، فهو العامل الأساسي في تكوين الشخصية وصقل المهارات والقدرات الفكرية والحركية. ومن بين النظريات التي سادت مجال علم النفس التربوي والنفسي في الولايات المتحدة الأمريكية خلال النصف الأول من القرن العشرين، تبرز نظرية المحاولة والخطأ، أو ما يعرف بـ نظرية الارتباطية، التي طرحها عالم النفس الأمريكي إدوارد ثورندايك.

عرف ثورندايك هذه النظرية لأول مرة في كتابه الشهير "ذكاء الحيوان"، حيث أشار إلى أن التعلم الأكثر وضوحًا لدى الإنسان والحيوان يعتمد على المحاولة والخطأ. هذه الطريقة تجعل الكائن الحي يواجه موقفًا جديدًا، يقوم بمحاولات مختلفة للوصول إلى الحل الصحيح، ويتعلم تدريجيًا من خلال تثبيت الاستجابات الناجحة والتخلص من الاستجابات الخاطئة.

تجارب ثورندايك على الحيوانات

أجرى ثورندايك سلسلة من التجارب على أنواع مختلفة من الحيوانات، بما في ذلك القرود والقطط والأسماك، بهدف دراسة طريقة التعلم من خلال مواجهة العوائق.

تقوم التجارب على وضع الحيوان في قفص أو متاهة أثناء حالة الجوع، مع توفير محفز للوصول إلى الطعام، مثل شد حبل، الضغط على زر، أو رفع سدادة. ومن ثم، يُقاس مدى قدرة الحيوان على التغلب على العائق، ويتم تسجيل مدة الاستجابة وعدد المحاولات.

لاحظ ثورندايك أن الحيوان في البداية يقوم بحركات عشوائية، لكنها تتناقص تدريجيًا مع تكرار التجربة، ويزداد احتمال ظهور السلوك الصحيح للوصول إلى الهدف. التجربة النموذجية التي عُرفت باسم قفص القطة، أوضحت هذه الظاهرة بوضوح:

تُوضع قطة جائعة داخل قفص يحتوي على باب مغلق بسقّاطة آلية.

في المحاولات الأولى، تقوم القطة بحركات عشوائية تشمل المواء، العض، التجوال قبل الوصول إلى السقاطة.

مع التكرار، يقل الوقت المستغرق في فتح الباب، ويظهر السلوك الصحيح بشكل أسرع، بينما تُزال الاستجابات غير الصحيحة تدريجيًا.

توضح هذه التجربة أن التعلم لا يحدث عن طريق إدراك فجائي للحل، بل من خلال تكرار التجربة واستبقاء الاستجابات الناجحة. وأكدت التجارب على أهمية الحوافز والمكافآت في تسريع عملية التعلم.

انتقال نظرية المحاولة والخطأ إلى التعلم الإنساني

بعد نجاح تجاربه على الحيوانات، انتقل اهتمام ثورندايك إلى التعلم المدرسي، مشيرًا إلى أهمية الثواب والعقاب في تعزيز السلوكيات المرغوبة لدى الطلاب. وعند مقارنة منحنيات التعلم البشري بنظيراتها الحيوانية، وجد أن الحركات الآلية والتدريجية في التعلم الحيواني يمكن أن تعكس أيضًا التعلم الإنساني، خاصة فيما يتعلق بالمهارات البسيطة والمتكررة.

ورغم اعترافه بتنوع التعلم الإنساني وتعقيده، فضل ثورندايك أن يفهم التعلم المعقد على ضوء التعلم الأبسط، حيث يُبنى الأخير على تثبيت الاستجابات الصحيحة والتخلص من غيرها.

القوانين الأساسية لنظرية ثورندايك

اعتمد ثورندايك في تفسير التعلم على ثلاثة قوانين أساسية، وهي: قانون الاستعداد، قانون التدريب، قانون الأثر، حيث يطبق كل من التعلم البشري والحيواني وفق هذه القوانين.

أولًا: قانون الاستعداد

ينص هذا القانون على أن حالة استعداد المتعلم تؤثر على قبول التعلم واستجاباته له، وهو أساس فيزيولوجي لقانون الأثر. ويوضح القانون ثلاثة مواقف:

1. وحدة الاستجابة المستعدة: إذا كانت الاستجابة جاهزة، فإن تنفيذها يكون ممتعًا، شرط عدم تعطيل الفعل الطبيعي للوحدة العصبية.

2. وحدة الاستجابة غير المستعدة: عدم القدرة على تنفيذ الاستجابة يسبب انزعاجًا للكائن.

3. الإجبار على الاستجابة: عندما يُجبر الكائن على الاستجابة وهو غير مستعد، تكون التجربة مزعجة.

خلص ثورندايك إلى أن لكل مثير استجابة محددة، وهذه العلاقة فطرية ووراثية، أي أنها موجودة لدى الكائن الحي من البداية. لذا، تُعرف نظريته بـ:
  • التعلم بالمحاولة والخطأ
  • نظرية الارتباطية
  • نظرية التعلم الوسائلي
  • نظرية الاختيار والربط بين المثير والاستجابة
  • نظرية الوصلات العصبية
ويهدف التعلم هنا إلى تسهيل وظائف الأعصاب، أي زيادة احتمال ظهور الاستجابات الصحيحة وتقليل استجابات الخطأ.

ثانيًا: قانون التدريب

يشير قانون التدريب إلى أن التكرار المستمر للسلوكيات الناجحة يؤدي إلى ترسيخها. في سياق التعلم بالمحاولة والخطأ، يقوم الكائن بتنفيذ عدة استجابات مختلفة حتى يكتشف الاستجابة الصحيحة. كلما تكرر السلوك الصحيح مع المكافأة، أصبح أكثر احتمالًا للظهور في المرات التالية، مما يعزز تعلم المهارات.

ثالثًا: قانون الأثر

يعتمد هذا القانون على مبدأ المكافأة والعقاب.

الاستجابة الناجحة: إذا نتج عن الاستجابة مكافأة أو إشباع للحاجة، فإن احتمالية تكرارها تزداد.

الاستجابة الفاشلة: إذا نتج عن الاستجابة فشل أو عقاب، فإن احتمالية تكرارها تقل أو تنعدم.

وبذلك، يصبح التعلم عملية انتقائية، حيث يحتفظ الكائن بالاستجابات التي تؤدي إلى النجاح ويستبعد التي تؤدي إلى الفشل.

شروط التعلم بالمحاولة والخطأ

وفقًا لثورندايك، لا يحدث التعلم بالمحاولة والخطأ إلا إذا توفرت الشروط التالية:

1. وجود دافع قوي أو حاجة لم تُشبَع: مثل الجوع أو الرغبة في الحصول على المكافأة.

2. وجود عائق جديد: لم يسبق للكائن مواجهته ويجب التغلب عليه.

3. تنفيذ استجابات متعددة: حتى يتم اكتشاف الاستجابة الصحيحة.

4. مكافأة الاستجابة الصحيحة: لتعزيز تكرار السلوك، وهو ما يُعرف بقانون الأثر.

5. تخلي تدريجي عن الاستجابات الخاطئة: يُقاس التحسن بالمدة التي يستغرقها الكائن للتغلب على العائق.

تُستخدم هذه الطريقة لتعلم المهارات العملية والجسمانية، مثل اللعب الرياضي، السباحة، الطباعة على الكمبيوتر، وغيرها.

تطبيقات نظرية المحاولة والخطأ

يشيع استخدام سلوك المحاولة والخطأ بين الأطفال، خاصة في المراحل الأولى من التعلم، سواء في المهارات الأكاديمية أو اليومية:

تعلم الحساب أو الإملاء، حيث يقوم الطفل بمحاولات متعددة قبل الوصول للحل الصحيح.

تعلم مهارات الحياة اليومية، مثل ترتيب السرير، ارتداء الملابس، ربط الحذاء، حيث يقوم الطفل بعدة استجابات خاطئة قبل اكتشاف الطريقة الصحيحة.

ويؤكد الخبراء أن هذا النوع من التعلم ضروري، لأنه يعزز القدرة على حل المشكلات، المرونة الذهنية، وصقل المهارات الحركية.

الخاتمة

توفر نظرية المحاولة والخطأ لثورندايك إطارًا عمليًا لفهم التعلم البشري والحيواني، من خلال التركيز على الارتباط بين المثير والاستجابة، وتقوية الروابط العصبية الموجودة بالفعل.

توضح النظرية أن التعلم عملية تدرجية، تجريبية، قائمة على المكافأة والعقاب، وأن المهارات المكتسبة نتيجة التكرار والتثبيت التدريجي للاستجابات الصحيحة. كما أنها تقدم أساسًا لتطبيق استراتيجيات تربوية حديثة في المدارس، خاصة في المجالات العملية والجسمانية، وتشجع على التعلم النشط والعملي بدلاً من الاقتصار على الحفظ فقط.

باختصار، تبرز نظرية المحاولة والخطأ أهمية التجربة، الخطأ، والتصحيح التدريجي كسبيل لتطوير التعلم، مما يجعلها أساسًا لفهم سلوك الكائنات الحية واستثمار هذه المعرفة في التعليم العملي والمهارات الحياتية.


تعليقات
ليست هناك تعليقات
إرسال تعليق

إرسال تعليق

الاسمبريد إلكترونيرسالة