U3F1ZWV6ZTI0NjIzNDY2NzAzMjMyX0ZyZWUxNTUzNDYxMjAwODY3OA==

إستراتيجيات التدريس السلوكية


صورة كرتونية لمدرس في القسم

إستراتيجيات التدريس السلوكية 

المقدمة

تُعَد استراتيجيات التدريس السلوكية من أبرز الممارسات التعليمية التي انطلقت من المدرسة السلوكية في علم النفس، والتي أسس مبادئها عدد من العلماء، وعلى رأسهم بورهوس فريدريك سكنر (Skinner, 1976). وقد ركزت هذه المدرسة على فكرة أن السلوك الإنساني يمكن تعليمه أو تعديله عبر التكرار المنتظم والتعزيز المناسب. فالطالب لا يتعلم فقط عبر الشرح، بل من خلال الممارسة المتكررة للسلوك المطلوب مع حصوله على محفزات إيجابية أو سلبية تساعده على الاستمرار في الاستجابة الصحيحة.

وبحسب ما ذكره إرتما ونيوبي (Ertmer & Newby, 2013)، فإن استراتيجيات التدريس السلوكية تقوم على توفير فرص متعددة للمتعلم كي يمارس السلوك المرغوب، مع تقديم التعزيز الفوري الذي يرسخ هذه الاستجابة. هذا المنهج يجعل عملية التعلم أكثر استقراراً، خاصة لدى الطلاب الذين يواجهون صعوبات أكاديمية أو سلوكية.

وقد أثبتت الدراسات التربوية أن هذه الاستراتيجيات لا تنحصر فائدتها في فئة محددة، بل تُظهر فاعلية كبيرة مع جميع المتعلمين، وتزداد أهميتها في تعليم ذوي الاحتياجات الخاصة في بيئات الدمج المدرسي، حيث تساعدهم على اكتساب المهارات الأساسية، والتغلب على السلوكيات غير المرغوبة، وتحقيق التكيف الأكاديمي والاجتماعي.

مفهوم استراتيجيات التدريس السلوكية

يمكن تعريف استراتيجيات التدريس السلوكية بأنها:
"مجموعة من الإجراءات التعليمية التي تهدف إلى تشكيل السلوك أو تعديله، عبر استخدام أساليب التعزيز والعقاب، وتكرار الممارسة، وتوفير بيئة تعليمية منظمة تساعد الطالب على اكتساب المهارات والمعارف بشكل تدريجي ومنهجي."

وهذا التعريف يبرز محورين أساسيين:

1. التعزيز: أي مكافأة السلوك الصحيح فور حدوثه لترسيخه.

2. التكرار: أي توفير فرص متكررة للطالب ليمارس السلوك المستهدف حتى يصبح عادة مستقرة.

أهمية استراتيجيات التدريس السلوكية

تبرز أهمية هذه الاستراتيجيات في عدة مجالات:

1. اكتساب المهارات الأكاديمية الأساسية: مثل القراءة، والكتابة، والحساب، حيث يتم تعليم المهارات عبر خطوات صغيرة متدرجة مع تعزيز كل إنجاز.

2. تعديل السلوكيات غير المرغوبة: مثل الاندفاع، أو السلوك العدواني، أو الشرود الذهني، من خلال استبدالها باستجابات بديلة مرغوبة.

3. تحفيز المتعلم على المشاركة: إذ يشعر الطالب أن جهوده محل تقدير من خلال التعزيز الفوري، مما يزيد من دافعيته للتعلم.

4. دعم الطلبة ذوي الاحتياجات الخاصة: حيث تُعَد هذه الاستراتيجيات أكثر فاعلية معهم مقارنة بالأساليب التقليدية، لأنها تعتمد على الوضوح والتكرار، وهما عنصران ضروريان لهذه الفئة.

5. تحقيق الانضباط الصفي: فالاعتماد على مبادئ التعزيز والعقاب يساعد على خلق بيئة تعليمية أكثر تنظيماً.

أبرز استراتيجيات التدريس السلوكية

1- التعزيز الإيجابي

يقوم على تقديم مكافأة مباشرة للطالب عند قيامه بالسلوك الصحيح، مثل كلمات المدح، أو الحصول على نقاط إضافية، أو امتيازات معينة. وقد أثبتت الدراسات أن هذا الأسلوب من أقوى الأدوات لتشكيل السلوك.

2- التعزيز السلبي

يتمثل في إزالة مثير غير مرغوب عند قيام الطالب بالسلوك المطلوب، مثل إعفائه من مهمة إضافية عند إتمامه لواجباته بشكل صحيح.

3- العقود السلوكية

تعتمد على اتفاق مكتوب بين المعلم والطالب يحدد السلوكيات المطلوبة والمكافآت المترتبة على الالتزام بها. تساعد هذه الاستراتيجية على تحمل الطالب مسؤولية أفعاله.

4- الاقتصاد الرمزي (Token Economy)

يقوم على منح الطالب رموزاً أو نقاطاً عند قيامه بالسلوك المرغوب، يمكن استبدالها لاحقاً بمكافآت حقيقية. أثبتت البحوث أن هذه الطريقة فعّالة جداً مع الطلاب صغار السن وذوي الاحتياجات الخاصة.

5- النمذجة (Modeling)

يقوم المعلم أو زميل آخر بعرض السلوك المطلوب أمام الطالب، ليقوم الطالب بتقليده. هذه الاستراتيجية مهمة خصوصاً في تعليم المهارات الاجتماعية والتواصلية.

6- الإطفاء (Extinction)

تعتمد على تجاهل السلوك غير المرغوب حتى ينطفئ تدريجياً، مع تعزيز السلوكيات الإيجابية البديلة.

7- التلقين (Prompting) والتلاشي التدريجي (Fading)

حيث يقدم المعلم تلميحات أو مساعدات للطالب عند التعلم، ثم يقللها تدريجياً حتى يتمكن الطالب من أداء السلوك بمفرده.

نتائج البحوث حول فاعلية الاستراتيجيات السلوكية

أشارت عدة دراسات تربوية إلى أن الاستراتيجيات السلوكية تحقق حجم تأثير مرتفع في تحسين الأداء الأكاديمي والسلوكي.

في مراجعة موسعة لأبحاث Hattie (2009) في كتابه "Visible Learning"، ظهر أن أساليب التعزيز والنمذجة والاقتصاد الرمزي حققت حجم تأثير يتراوح بين (0.6 – 0.8)، وهو معدل مرتفع مقارنة بطرق التدريس التقليدية.

بينت دراسة Kazdin (2017) أن استراتيجيات الاقتصاد الرمزي والتعزيز الإيجابي من أكثر الأساليب فاعلية مع الأطفال ذوي الاضطرابات السلوكية والانفعالية.

في بحوث الدمج المدرسي، أثبتت استراتيجيات العقود السلوكية والنمذجة فاعلية خاصة في تحسين تفاعل الطلبة ذوي الاحتياجات الخاصة مع أقرانهم.

خاتمة

إن استراتيجيات التدريس السلوكية تمثل ركيزة أساسية في العملية التعليمية الحديثة، خصوصاً في ظل التحديات المرتبطة بتنوع حاجات المتعلمين داخل الصف الواحد. فهي لا تقتصر على تحسين التحصيل الدراسي، بل تمتد لتشمل تعديل السلوكيات، وتنمية المهارات الاجتماعية، وتعزيز دافعية الطلاب نحو التعلم.

ومع أن البعض قد يرى أن هذه الاستراتيجيات تركز بشكل مفرط على السلوك الخارجي دون الاهتمام بالعمليات العقلية الداخلية، إلا أن نتائج الدراسات التربوية تؤكد فاعليتها وارتفاع حجم تأثيرها، خاصة عند توظيفها جنباً إلى جنب مع استراتيجيات معرفية وانفعالية أخرى.

ولذلك، فإن دمج الاستراتيجيات السلوكية في التعليم لا يُعَد خياراً ثانوياً، بل ضرورة تربوية تسهم في بناء بيئة تعليمية أكثر فعالية، وتساعد على إعداد جيل من المتعلمين قادر على الالتزام، وضبط سلوكياته، وتحقيق النجاح الأكاديمي والاجتماعي.

تعليقات
ليست هناك تعليقات
إرسال تعليق

إرسال تعليق

الاسمبريد إلكترونيرسالة